الاستيطان في الضفة الغربية: كيف تعاد هندسة الجغرافيا والسياسة؟

قوات الاحتلال الإسرائيلي تجبر العائلات على إخلاء منازلها من مخيم نور شمس، شمال الضفة الغربية، هيومن رايتس ووتش
الكاتب: لم يبدأ الاستيطان مع سموتريتش لكنه حوّله في السنوات الأخيرة إلى سياسة منهجية تهدف عمليا إلى ضم الضفة متجاوزا الذرائع الأمنية (هيومن رايتس ووتش)
  • كيف أعاد الاستيطان رسم الجغرافيا والسياسة في الضفة الغربية؟

تشكلت الحكومة الحالية في الكيان الإسرائيلي في نهاية عام 2022، إثر اتفاقات ائتلافية جرت بين حزب الليكود من جهة، ومجموعة من الأحزاب اليمينية الأشد تطرفا من جهة أخرى.

ويُعد حزب «الصهيونية الدينية»، الذي يترأسه الوزير بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز هذه الأحزاب الصغيرة، إذ لم ينضم إلى الحكومة إلا بعد حصوله على اتفاقية تتيح له تنفيذ مخطط استيطاني شامل في الضفة المحتلة، يؤسس لضمها وإحكام السيطرة عليها.

وبموجب تلك الاتفاقية، لم يعد سموتريتش وزيرا للمالية فحسب، بل حاز أيضا منصب وزير داخل وزارة الدفاع فيما يخص شؤون الضفة المحتلة. ومن خلال موقعيه في وزارتي المالية والدفاع، نفذ سلسلة من الخطوات التي شكلت تحولا جذريا في إدارة الاستيطان، وصفها هو نفسه بأنها «تغيير في الحمض النووي للنظام».

لم يعد للحاكم العسكري أي سلطة فعلية على عمليات الاستيطان، إذ أصبحت الإدارة المدنية تتولى طرح المناقصات، وإصدار التصاريح، وتنفيذ الأعمال

التحول الجذري في إدارة الاستيطان

صحيح أن الاستيطان لم يبدأ مع سموتريتش، إلا أنه نجح خلال السنوات القليلة الماضية في تحويله إلى منهجية تتجاوز الذرائع الأمنية والسيطرة على المواقع الإستراتيجية التي استخدمتها الحكومات السابقة، إلى خطة مدروسة تهدف إلى ضم الضفة الغربية بشكل عملي، عبر خطوات يصعب التراجع عنها، بحيث يصبح الضم أمرا واقعا بغض النظر عن الوضعين: القانوني والسياسي.

منذ البداية، كان سموتريتش واضحا في خطاباته ومواقفه بأنه لن يترك أي مجال لإقامة دولة فلسطينية في الضفة، وذلك عبر السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين. وسعى لتحقيق هذا الهدف من خلال سلسلة إجراءات نفذها استنادا إلى الاتفاق الائتلافي الذي ضمن تماسك حكومة نتنياهو ومنع انهيارها خلال السنوات الماضية.

إعلان

أبرز هذه الخطوات تمثلت في إنشاء إدارة مدنية للاستيطان ضمن الإدارة العسكرية للاحتلال، تعمل تحت إشراف مقربين من سموتريتش، وله فيها الكلمة الفصل.

وبهذا، نشأ في الضفة نظامان متوازيان: نظام عسكري يتعامل مع الفلسطينيين، ونظام مدني يدير شؤون المستوطنين. وبات في الضفة المحتلة قانونان يعملان جنبا إلى جنب: قانون عسكري موجه للفلسطينيين، وقانون مدني يُطبق على المستوطنين باعتبارهم مواطنين في الكيان الإسرائيلي، وهو تطور لم يكن قائما سابقا، ويجسد عمليا نظام الفصل العنصري الذي أشار إليه قرار محكمة العدل الدولية الصادر قبل أشهر قليلة.

وبموجب هذه التغييرات، لم يعد للحاكم العسكري أي سلطة فعلية على عمليات الاستيطان، إذ أصبحت الإدارة المدنية تتولى طرح المناقصات، وإصدار التصاريح، وتنفيذ الأعمال.

ويقول سموتريتش إنه كان بالإمكان إخراج هذه الإدارة من الصلاحية الاسمية لوزارة الدفاع، لولا أن ذلك كان سيُعد إعلانا رسميا للضم، وهو أمر صرح في مطلع عام 2025 بنيته الإقدام عليه.

في مارس/آذار 2025، صادق المجلس الوزاري الأمني (الكابينت) على فصل 13 حيا استيطانيا وتصنيفها «مستوطنات مستقلة»، ما يتيح لها ميزانيات وإدارات محلية خاصة، في خطوة تُعد جزءا من «خطة ضم» فعلية

تسارع وتيرة الاستيطان وآليات السيطرة

عمليا، أدت هذه السياسات إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة الاستيطان، لا سيما من خلال توسيع المستوطنات القائمة، وشق الطرق الالتفافية الخاصة بالمستوطنين، وبناء الجسور، وإقامة البؤر الاستيطانية الزراعية، ومصادرة الأراضي في المنطقتين (ب) و(ج).

وكشف تقرير صادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان أن سلطات الاحتلال ناقشت خلال أكتوبر/تشرين الأول 2024 خططا لبناء 248 وحدة استيطانية جديدة في أنحاء متفرقة من الضفة، ضمن ستة مخططات يجري تنفيذها في أربع مستوطنات، إضافة إلى إصدار أوامر عسكرية بالاستيلاء على أكثر من 70 دونما من أراضي قرى قريوت واللبن الشرقية والساوية في محافظة نابلس، لإقامة منطقة عازلة حول مستوطنة «عيلي».

وبحسب تقرير صدر في مطلع عام 2025 حول مراقبة «نشاط الاستيطان»، فإن عام 2024 شهد «أكبر تقليص في الحقوق والحضور الفلسطينيَين في الضفة منذ عقود»، تجلى في ارتفاع غير مسبوق في أوامر الهدم، وتسهيلات واسعة للمستوطنين، وتسريع وتمويل مباشر للبناء الاستيطاني.

وفي مارس/آذار 2025، صادق المجلس الوزاري الأمني (الكابينت) على فصل 13 حيا استيطانيا وتصنيفها «مستوطنات مستقلة»، ما يتيح لها ميزانيات وإدارات محلية خاصة، في خطوة تُعد جزءا من «خطة ضم» فعلية.

ومن أبرز التغييرات القانونية التي فرضتها إدارة سموتريتش، إلزام مالك الأرض الفلسطيني بإثبات ملكيته لها، وهو أمر شبه مستحيل عمليا، نظرا لارتباط الوثائق المطلوبة بالمؤسسات الخاضعة لسيطرته.

نشطت داخل الكونغرس لوبيات داعمة صراحة للاستيطان، وسعت إلى شرعنته، وصولا إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية اعتماد تسمية «يهودا والسامرة» بدل «الضفة الغربية»

دور بن غفير وعصابات المستوطنين

يلعب وزير ما يُسمى «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، دورا لا يقل خطورة عن سموتريتش. فقد عمل على تسليح أعداد كبيرة من المستوطنين، وتشجيع عصاباتهم، وتأطيرها، وصولا إلى منع ملاحقة أفرادها أو محاسبتهم قضائيا.

إعلان

ويحرض بن غفير وسموتريتش المستوطنين على شن هجمات منظمة ضد القرى الفلسطينية النائية، تشمل الحرق والتدمير والقتل واقتلاع المحاصيل، بهدف السيطرة على الأرض.

وخلال مواسم قطف الزيتون، تتصاعد الاعتداءات على المزارعين تحت حماية جيش الاحتلال، حيث وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) 71 اعتداء خلال أسبوع واحد استهدفت 27 قرية، نصفها مرتبط بموسم الزيتون.

الدعم الغربي والاستيطان

مع وصول إدارة ترامب الحالية إلى البيت الأبيض، حظي المشروع الاستيطاني بدفع إضافي على مستويين: سياسي وتمويلي. سياسيا، تمثل ذلك في زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى حائط البراق، وزيارة رئيس مجلس النواب مايك جونسون إلى مستوطنات الخليل، في سابقة لم تحدث حتى خلال الولاية الأولى لترامب.

كما نشطت داخل الكونغرس لوبيات داعمة صراحة للاستيطان، وسعت إلى شرعنته، وصولا إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية اعتماد تسمية «يهودا والسامرة» بدل «الضفة الغربية».

أما على المستوى التمويلي، فكشفت تقارير متعددة عن تضاعف التمويل الغربي للحركات الاستيطانية، ولا سيما من جمعيات وجامعات أميركية، إلى جانب جهات بريطانية وكندية وأسترالية، رغم وضوح القرارات الدولية التي تعتبر الاستيطان غير قانوني.

في ظل هذا الواقع، تصبح مواجهة الاستيطان ومنع الضم مرهونة بجملة من الإجراءات، أبرزها توحيد الموقف الفلسطيني، وتفعيل المسار القانوني ضد الجهات الداعمة للاستيطان، وتعزيز المقاطعة

مشروع «الإمارات الفلسطينية» ومستقبل الضفة

لا يمكن تناول الاستيطان دون التوقف عند مشروع «الإمارات الفلسطينية»، أو ما يُعرف بمشروع «كيدار»، الذي يقوم على تحويل مدن الضفة الكبرى إلى كيانات حكم عشائرية منفصلة، تدير شؤون السكان الفلسطينيين بالتنسيق مع جيش الاحتلال، بينما تُخصص الأراضي المحيطة للاستيطان والسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

خارطة طريق للمواجهة

في ظل هذا الواقع، تصبح مواجهة الاستيطان ومنع الضم مرهونة بجملة من الإجراءات، أبرزها توحيد الموقف الفلسطيني، وتفعيل المسار القانوني ضد الجهات الداعمة للاستيطان، وتعزيز المقاطعة، وكسر القرار الأميركي الذي يحظر تمويل صمود الفلسطينيين بحجة «مكافحة الإرهاب»، في حين يُترك الإرهاب الاستيطاني دون مساءلة.

كما تبرز أهمية فضح المتورطين في بيع الأراضي، وتعزيز صمود الفلسطينيين فوق أرضهم، والتصدي لاعتداءات المستوطنين، إلى جانب دور الإعلام في تسليط الضوء على هذه السياسات وفضحها أمام الرأي العام العربي والدولي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان