تأثير القمة الهندية الأوروبية على الاقتصاد العالمي والشرق الأوسط

European Commissioner for Trade Maros Sefcovic and India's Trade Minister Piyush Goyal sign an agreement, as European Commission President Ursula von der Leyen, Indian Prime Minister Narendra Modi and European Council President Antonio Costa stand next to them, at the Hyderabad House in New Delhi, India, January 27, 2026. REUTERS/Altaf Hussain
توقيع اتفاقية التجارة الحرة من قبل المفوض الأوروبي للتجارة ماروش سيفكوفيتش ووزير التجارة الهندي بيوش غويال (رويترز)

في الجزء الأول من مقال "القمة الهندية الأوروبية وإعادة رسم الاقتصاد العالمي"، تحدثنا عن أهمية القمة الهندية الأوروبية، وما يمكن أن تحدثه من تغييرات قد تعيد رسم الخريطة الجيو-اقتصادية للعالم.

والعجيب أن منتدى الجزيرة في الأسبوع الذي تلا نشر ذلك المقال كانت إحدى حلقات نقاشاته بعنوان "نحو عالم متعدد الأقطاب". وفي تلك الجلسة دار الحوار عن تعدد الأقطاب الاقتصادية، لكن المتحدثين لم يتعمقوا في فكرة المقال المنشور؛ فإن الموضوع الذي كان مطروحا غلبته السمة السياسية، لا سيما أن الدورة السابعة عشرة للمنتدى خُصصت من أجل غزة أو فلسطين على العموم.

في تلك الجلسة ذكرنا أحد المتحدثين بحديث أنطونيو غرامشي عن الأقطاب. وإن كان الرجل في كتابه "دفاتر السجن" قد تحدث عن نقد الهيمنة، فإن حديثه يعد جذورا لفكرة تعدد القطبية وتفكيك المركز الواحد، والعالم الآن فيما يبدو يعيش هذه المرحلة.

هذا ما يمكن قراءته في عدة مشاهد، كتبت عنها مقالا منذ سنوات خصصته للصين بعنوان "أين يقف العربي في حرب الدولار واليوان؟". وفي مشاهد أخرى لمحاولة الفت في عضد الهيمنة الأمريكية، وقد كان اتفاق التبادل التجاري بين تركيا وإيران وروسيا عبر العملات المحلية أحد هذه الأشكال، وعلى نطاق أوسع كان اتفاق دول البريكس.

والسؤال الآن: كيف ستؤثر هذه الخطوة الأوروبية الهندية على الأمة العربية، ولا سيما في الشرق الأوسط؟

التعاون المتزايد بين الهند وأوروبا في مجالات الهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا النظيفة قد يقلل تدريجيا من الاعتماد على النفط التقليدي

في أي خطوة تتم على هذا الكوكب، وفي أي نشاط بشري يحدث، هناك فرص وتحديات. والأمر يتوقف على مدى الاستعداد للتحرك بسرعة لتحويل التحديات إلى فرص، وذكاء من يتوقع هذا التحرك ويضع له الخطط لكي يستفيد.

فالحراك الأوروبي الهندي يتسم بتسارع إعادة تشكيل موازين الاقتصاد والسياسة، ويحمل في طياته دلالات تتجاوز البعد الثنائي. ومن شأن تعميق الشراكة بين الطرفين أن يعيد توجيه جزء من التدفقات الاستثمارية العالمية. ومن هنا يجب أن ننظر، كعرب، إلى موقعنا من هذه التحولات: هل سنفقد موقعنا كممرات تقليدية للتجارة والطاقة، أم سنستطيع التحول إلى شركاء في المنظومة الجديدة؟

إعلان

الخليج، كمورد مهم للطاقة في العالم، يقف أمام تحدٍ كبير، خاصة في مرحلة انتقالية لم تكتمل فيها بعد مشاريع الطاقة المتجددة. بيد أن دخول الصين على خط المنافسة فيما يعرف بـ"مصافي الشاي" قد يقلل من تكاليف التكرير، ومن ثم من أثمان التوريد.

كما أن التعاون المتزايد بين الهند وأوروبا في مجالات الهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا النظيفة قد يقلل تدريجيا من الاعتماد على النفط التقليدي.

والحل لدى الخليج يكمن في ضرورة التسريع في مشاريع التنويع الاقتصادي، وتعميق الاستثمار في الصناعات المستقبلية والخدمات اللوجيستية، والاستفادة من الموقع الإستراتيجي في خدمة سلاسل التوريد.

الخريطة الاقتصادية التي يتم رسمها الآن تفتح الباب أمام اختبار حقيقي للأنظمة العربية: إما أن تكون جزءا منها، وإما أن تكون جزءا من الماضي ويتجاوزها الزمن

وما يصدق على الخليج يصدق على مصر بالتأكيد مع سحب ميزة امتلاك الطاقة، لا سيما أن الاحتلال الإسرائيلي يبحث له بقوة عن دور في المعادلة الأوروبية الهندية الجديدة من خلال قناة بن غوريون، البديل الإسرائيلي لقناة السويس.

غير أن التهديد ليس حتميا؛ إذ يمكن لمصر أن تستفيد من التحولات عبر تطوير بنيتها التحتية للموانئ، والانفكاك من الهيمنة الإماراتية على مسارات التجارة والطاقة، بدور أكثر ديناميكية في أفريقيا، لا سيما في الشرق الأفريقي، مستندة إلى إرث تاريخي يمكن استدعاؤه، ونسج علاقات اقتصادية على أساس (رابح – رابح).

وبالتالي تعزيز الدور اللوجيستي لخدمة الخريطة الاقتصادية القادمة، على أن تقدم القاهرة نفسها كعامل رافع لهذه الخريطة وجزء منها. بل ويمكن أن تقيم مشاريع إنتاجية أو تجميعية على طريق العبور الاقتصادي للاقتصاد الواعد، مستفيدة من الأيدي العاملة الرخيصة، وهو ما تمت دراسته وكان على وشك البدء به في عهد الرئيس مرسي.

الخلاصة أن الخريطة الاقتصادية التي يتم رسمها الآن تفتح الباب أمام اختبار حقيقي للأنظمة العربية: إما أن تكون جزءا منها، وإما أن تكون جزءا من الماضي ويتجاوزها الزمن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان