سيدة تقود كبرى البلديات الفلسطينية.. ماذا تقول عن تجربتها؟

الخليل- في تجربة هي الأولى من نوعها، تتصدر سيدة فلسطينية في عقدها الرابع مشهد القيادة في بلدية الخليل؛ كبرى المدن الفلسطينية سكانا، والأكثر تعقيدا من الناحية الجيوسياسية بعد مدينة القدس المحتلة، إذ يسيطر الاحتلال على قلبها وتدير السلطة الفلسطينية باقي أنحاء المدينة.

خاضت الدكتورة أسماء الشرباتي، أستاذة التنمية وتطوير القدرات البشرية، غمار الانتخابات المحلية ضمن قائمة "الوفاء للخليل"، وهي ائتلاف توافقي ترأسه القيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، تيسير أبو سنينة خارج الإطار الرسمي للحركة، وضم أطيافا سياسية وكفاءات مستقلة، ونجح في كسب ثقة الشارع وتشكيل المجلس البلدي.

تولى أبو سنينة رئاسة البلدية سنوات حتى اعتقلته سلطات الاحتلال في سبتمبر/أيلول 2025، فوجدت نائبته أسماء الشرباتي نفسها أمام مسؤولية تاريخية لاستكمال المسيرة في ظل ظروف بالغة الحساسية.

لم تكن هذه الرحلة مفروشة بالورود، بل كانت محفوفة بالمخاطر؛ إذ تعرضت الشرباتي وزوجها طبيب العيون الدكتور أمجد الحموري لتهديدات مباشرة وإطلاق نار، قالت إنها مرتبطة بمواقفها في المجلس البلدي.

في الحوار التالي، تستعرض أسماء الشرباتي ملامح تجربتها الفريدة في إدارة دفة بلدية الخليل، وتكشف عن التحديات الميدانية والسياسية التي واجهتها، كما توضح الأسباب الكامنة وراء قرارها بعدم الترشح للدورة الانتخابية المقبلة المقررة في أبريل/نيسان 2026.

أسماء الشرباتي توفق بين رئاسة البلدية ومسؤولية الأسرة في غياب زوجها الأسير طبيب العيون أمجد الحموري (الجزيرة)
  • بداية كيف تُعرِّف الدكتورة أسماء الشرباتي نفسها للقراء؟

نبدأ من النهاية، أنا حاليا رئيسة بلدية مدينة الخليل بالإنابة منذ اعتقلت قوات الاحتلال رئيس البلدية تيسير أبو سنينة قبل نحو 6 أشهر، وقبل ذلك كنت نائبة للرئيس في الدورة الانتخابية الحالية ثلاث سنوات ونصف السنة، أي منذ انتخابات 2022، ضمن قائمة "الوفاء للخليل" وهي قائمة وحدة وطنية.

إعلان

قبل البلدية، أنا مدربة في مجال التطوير الشخصي ومحاضِرة جامعية وحاصلة على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع، وماجستير في التنمية والتعاون الدولي.

اجتماعيا، أُم لـ5 أبناء، وزوجة الأسير الدكتور أمجد الحموري، انتظر الإفراج عنه في القريب العاجل إن شاء الله.

  • منذ متى تشتغلين في الشأن العام أو مؤسسات عامة؟

موضوع الجمعيات أو المؤسسات العامة وخدمة المواطنين جزء من حياتي، وسبق أن أسست مع زملاء آخرين جمعية لتطوير القدرات البشرية، إضافة إلى عضويتي في عدة جمعيات.

أما العمل العام بمفهومه البلدي أو التنموي كصانعة قرار، فبدأت مع الدورة الانتخابية عام 2022.

  • كيف كانت التجربة في البلدية، وبمَ اختلفت عن العمل الأهلي؟

التجربة مهمة على الصعيد الشخصي وحافلة على عدة أصعدة، خاصة أثناء تشكيل قائمة وحدة وطنية تجمع عدة أطياف سياسية وشخصيات مستقلة.

هذه أول مرة تكون نائبة للرئيس سيدة ثم رئيسة للبلدية في كبرى مدن فلسطين، وهي تجربة أفتخر بها، وأعتقد أنها سوف تؤثر إيجابا على المشاركة النسائية في العمل العام بشكل خاص.

  • هناك تحديات عامة تواجه أي رئيس بلدية، ما التحديات التي واجهتكِ بصفتك امرأة تقود بلدية أكبر مدينة فلسطينية؟

التحديات كثيرة منها أن الدعاية لم تكن كبيرة، لكن بصفتي امرأة لم أجد ممانعة عامة ظاهرة. هناك سؤال واجهته كثيرا في عدد من اللقاءات، خاصة مع الوفود الأجنبية، وهو كيف تقبّل المجتمع في مدينة محافظة فكرة وجودي في المسؤولية؟

عندما خضت تجربة الانتخابات، وجدت اهتماما عاما من المجتمع، وبالذات فئة الشباب ذكوةرا وإناثا، وهذا أيضا لمسته في فترة رئاستي للبلدية، هناك انفتاح وتقبل عال لوجودي على رأس هرم البلدية، سواء من الموظفين أو المجتمع أو المؤسسات.

على الصعيد الخارجي، أثناء تجربتي على مدى نحو 4 سنوات لم أجد معارضة ظاهرة، أو معيقا لعملي، بالعكس جرى التعامل مع الموظفين والمؤسسات الرسمية والدولية بشكل اعتيادي، وحتى العشائر، وهي شريحة مهمة في التواصل بالبلديات، كان هناك انفتاح وشعور بالمسؤولية لدى كل الأطراف.

هناك معيقات واجهتنا، ليس بالضرورة مرتبطة بكوني سيدة، وإنما بالنظر للقائمة التي أشارك فيها، إذ تعامل البعض معنا من منطلق سياسي نتج عنه تفسير كثير من المواقف والأحداث ببُعد سياسي، مناف للحقيقة.

من التحديات الأخرى تردد بعض الجهات في التعامل معنا في السنة الأولى وحتى وزراء قاطعوا المجلس البلدي، باعتبارنا شكّلنا كتلة وحدة وطنية منافسة لكتلة الحزب الحاكم (فتح)، وحصلنا على الأغلبية (8 من 15 مقعدا)، فكان من الصعب على الحزب الحاكم بمؤسساته تقبُّل وجودنا، لكن هذا التردد تراجع لاحقا وخفت وتيرته، مع بقاء مسافة حذرة، لا يمكن تسميتها مقاطعة ولا تعاونا.

أما في الأشهر الستة الأخيرة ومنذ ترأست البلدية بالإنابة، فأعتقد أن التواصل كان يجري بشكل جيد مع مختلف المؤسسات الفلسطينية والدولية.

**داخلية** الدكتورة أسماء الشرباتي في قائمة "الوفاء للخليل" @ (صفحة القائمة) @ صفحتها على فيسبوك
أسماء الشرباتي قررت عدم الترشيح للانتخابات المقبلة المقررة في أبريل/نيسان 2026 (صفحتها على فيسبوك)
  • ماذا أزعجكِ في التجربة على الصعيد الشخصي سواء داخل البلدية أو من المجتمع؟

إعلان

نحن وجدنا لخدمة مجتمع، ولكل فرد مطالبه واحتياجاته. أحيانا لا أنام الليل عندما تحدث مشكلة ما وللبلدية علاقة بها.

في موقع مثل البلدية، نواجه بعلاقات ومراكز قوة تؤثر إيجابا وسلبا، وخاصة في بعض القرارات المتعلقة بالتوظيف مثلا أو التسريح أو العقوبات، وقد وصلت ذات مرة إلى مرحلة تعرضت فيها وزميل آخر للخطر والتهديد وإطلاق النار، الذي طال حتى عيادة زوجي.

لكن في المقابل، وجدنا ضغطا مجتمعيا عاليا ورافضا لهذه التصرفات، وردة فعل جماهيرية إيجابية متضامنة معنا.

في البعد المؤسسي، العلاقة بين الشد والجذب، البلدية تفتح أبوابها لكل الناس سواء كانوا موفين بالتزاماتهم أو غير موفين، البلدية تقدم خدمة للجميع وتتعامل مع كل الفئات.

  • كيف أثر عملكِ في البلدية على حياتكِ الاجتماعية؟

أي عضو مجلس بلدي أو مرشح دخل هذا المعترك يعلم بأنه سيفقد جزءا كبيرا من حياته الاجتماعية ووقته واستراحته، لأن مسؤولية البلد كبيرة.

  • هناك خصوصية لمدينة الخليل نظرا لعمق بعدها العشائري، كيف تتعاملون مع هذه الوضعية؟

هناك بُعدان للثقل العشائري في الخليل، بُعد سلبي ينعكس في حالة من الفلتان الأمني وانتشار سلاح العائلات، والبلدية من أكثر الجهات تضررا، خاصة مع تقسيم الخليل وبقاء الإشراف الأمني للاحتلال على أجزاء منها.

في السنوات الأخيرة، تزايد استخدام سلاح العائلات في الخلاف والنزاعات، وهذا يشوّه صورة المدينة التي هي رمز للشهامة والكرم والنخوة والتعاون، ومن ثم يلحق الضرر بالبلدية وقدرتها على حماية مقدراتها في مناطق لا تخضع للأمن الفلسطيني، وتم بالفعل الاعتداء مرات عدة على سيارات الإطفاء وشاحنات جمع النفايات.

في المقابل هناك دور مهم للعائلات تحاول البلدية الاستثمار فيه بالتعاون مع رجالات العشائر لضبط التوازن في المناطق التي لا وجود للسلطة فيها، لحماية المقدرات والاستمرار في تقديم الخدمات.

  • ماذا عن تأثير تقسيم المدينة فلسطينيا وإسرائيليا، في ظل انتشار البؤر الاستيطانية وتسارع الهيمنة على المسجد الإبراهيمي؟

التحديات الكبيرة هذه هي الأخطر، وتكبل أيدينا وتولد شعورا بالعجز. وضع مدينة الخليل يختلف عن بقية المدن الفلسطينية لكون الاستيطان في داخلها، وليس خارجها كما باقي المدن الفلسطينية عدا القدس.

الاستيطان داخل المدينة، إضافة إلى 27 مستوطنة محيطة بها، يشكل تحديا كبيرا للبلدية والسكان على حد سواء، هذه الحالة تخلق هشاشة وضعفا في التواصل مع بعض المناطق، ومحاصرة بعض المواطنين الفلسطينيين من قِبَل المستوطنات أو البؤر الاستيطانية.

من الصعب تعزيز صمود المواطنين في أراضيهم أو حماية مقدراتهم وتقديم الخدمات لهم، خاصة مع انتشار البوابات والسواتر والحواجز، التي خلفت حالة تهجير قسري من المناطق المغلقة لمناطق أخرى في الخليل.

سحب صلاحيات البلدية في منطقة الحرم الإبراهيمي خطوة خطيرة وغير مسبوقة، وتشكل خطرا على الحرم وعلى المواطنين. ونحن نبذل جهودا كبيرة في توعية الناس ومتابعة هذا الملف.

  • كيف تتابعون الملف عمليا؟

هناك تواصل مع المؤسسات الرسمية تمهيدا لرفع الملف لمحكمة العدل الدولية، وهناك اجتماعات تعقد مع مختصين وقانونيين في البلدية بهدف توحيد الجهود باتجاه تدويل المسألة.

**داخلية** تيسير أبو اسنينة رئيس بلدية الخليل ضمن قائمة "الوفاء للخليل" معتقل منذ سبتمبر 2025 @ (صفحة القائمة) @ صفحته على فيسبوك
أسماء الشرباتي بدأت مهامها رئيسة لبلدية الخليل بعد اعتقال رئيسها تيسير أبو سنينة في 2025 (صفحته على فيسبوك)
  • هناك من يتحدث عن تعزيز دور المجالس المحلية بديلا عن السلطة، هل شعرتم بذلك أو تقبلون به؟

لا، لم نلمس شيئا من ذلك، لكن الاحتلال يسعى لتقويض المؤسسة الفلسطينية الحكومية ولن نقبل بأن نكون بديلا عن المؤسسة الحكومية، ولا يمكن لأي بلدية أن تأخذ الدور أو تكون البديل عن الحكومة. نحن في حالة تكامل.

إعلان

بلدية الخليل مؤسسة خدماتية تقوم بدورها على أكمل وجه وترفض تقويض صلاحياتها، وفي الوقت نفسه هي متعاونة مع كافة المؤسسات التي يجب أن تتعاون معها في سبيل إنجاح مهامها.

  • ماذا عن دور المرأة الفلسطينية عموما في المؤسسات الرسمية، هل تحظى بالمكانة المطلوبة؟

ميدانيا المرأة موجودة في العمل وفي المؤسسة الرسمية والأحزاب على مختلف المستويات. المرأة لها الخيار في اتخاذ قرارها في حدود طاقتها وهناك من قررن عدم العمل.

على مستوى الأحزاب السياسية تمثيلها ما زال بالحد الأدنى، وفي البلديات حضورها ضمن نظام الكوتة، وجزء من الأسباب تتعلق بالمرأة نفسها وجزء آخر بالمؤسسات والأحزاب.

  • هناك انتخابات محلية في أبريل المقبل؟ وقررتِ عدم المشاركة فيها لماذا؟

عزمت أمري على عدم المشاركة بالرغم من أهميتها لإثراء التجربة. فوجودي في البلدية عضوة ونائبة للرئيس ثم قائمة بأعمال الرئيس شكّل لي إضافة نوعية قدمت خلالها مساهمات إيجابية للمجتمع، وحققنا جزءا كبيرا من وعودنا الانتخابية، وإن كنا نعمل في ظرف صعب في إدارة الأزمة أكثر من إدارة التنمية.

قررت عدم خوض الانتخابات لأسباب عدة، منها الاشتراط على المرشحين التوقيع على تعهدات بالالتزام باتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا لا أقبله. هذا اشتراط غير منصف وغير عادل، ومن ثم حرم الحزب الحاكم نفسه من وجود منافس حقيقي يُنضج التجربة.

  • على صعيد عائلتكِ، كيف أثر اعتقال وملاحقة زوجك على حياتكِ الأسرية والعملية؟

شكّل اعتقاله ضغطا إضافيا عليّ بلا شك، أنا عندي أسرة وأولاد، ابنتان في الجامعة، وعندي أولاد في المدرسة أحاول الاعتناء بهم.

زوجي إنسان إيجابي جدا في وجوده بالبيت، واعتقاله يخلق فراغا كبيرا، اعتقل أكثر من 10 سنوات، ونصف فترة زواجنا كان معتقلا، وآخر مرة اعتُقل في الحرب.

  • هل من كلمة ختامية؟

لا بد أن نشير إلى أن تغييب رئيس البلدية الأستاذ تيسير أبو سنينة رسالةٌ من الاحتلال بأنه لا مؤسسة فلسطينية محصنة، ومنها بلدية الخليل، التي هي أكبر هيئة محلية منتخبة في الضفة الغربية، وأنه لا أحد خارج سطوة الاحتلال.

في غياب رئيس البلدية المسؤولية مضاعفة، لكن المؤسسة يجب أن تستمر في تقديم الخدمات والدفاع عن المقدرات حتى اللحظة الأخيرة، رغم كل المعيقات الموجودة.

بالنسبة لي كان هذا التمثيل مهما وتجربة ناجحة وفيها تحمّلت المسؤولية للحظة الأخيرة.

المصدر: الجزيرة

إعلان